مجموعة مؤلفين

230

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

يفضى إلى تعدد القدماء ، وهذا يعارض مبدأ الوحدانية في أساسه . وكذلك أنكر المعتزلة إمكان رؤية اللّه في الآخرة ، لما يلزم عن ذلك من تحديد الذات الإلهية في نطاق الزمان والمكان والمادة ! فالصفات إذن ، في نظر رجال الاعتزال ، منفية عن اللّه ، أي لا حقائق ثبوتية لها أو موضوعية ، فيما وراء العقل البشرى . غير أن الصفات ، في أخص معانيها ، هي مجال الكمالات الإلهية ، ومسارح بهائها وأنوارها ، إن في عالم الأرواح أو في عالم المواد . فإذا « عطلت » عنها الذات المقدسة الجناب ، فماذا يتبقى منها ؟ وما هي صلات الإنسان الحقيقية بمثل هذه « الألوهة » ، المعراة عن كل صفة ؟ ما هي صلاته بها في تأملاته وعباداته ، في نسكه وصلواته ، في أشواقه ورغباته ، في محياه ومماته ؟ ثم كيف تفسر ظواهر الوجود الحادثة ، على وجه الدقة ؟ كيف يتصور صدورها عن « ذات » بريئة مجردة ، أو إسنادها إليها ؟ - تلك هي مأساة الاعتزال في الحقيقة ، وتلك هي نتائج موقفهم السلبي تجاه مشكلة « نفى الصفات » ! وكذلك الشأن أيضا بخصوص نظرية « خلق القرآن » عند المعتزلة ، من حيث نتائجها السلبية الخطيرة : إذا كان الوحي الآلهى المنزل - وهو الرمز الحىّ لصلة اللّه بالإنسان وعنايته الفائقة به - في مستوى الظواهر الكونية الحادثة ، فما هي جدواه بالقياس إلى الضمير البشرى في مصيره النهائي وكماله المطلق ؟ فالمسلم الذي يتأمل في القرآن « حكمة مخلوقة » ويحيا على مبادئها ، لن يتجاوز في تطوره الأدبي وكماله المعنوي حدود « الآفاق الخلقية » وبالتالي ، لن يرقى إلى سماء الروحانيات العلى المبدعة . ثم هو في ميسوره أن يجد أمثال هذه « الحكمة المخلوقة » . في نتاج الفكر الإنسانى نفسه ، ومن خلال تجاربه المريرة في الحياة . ولكن ، على العكس من ذلك تماما ، القول بأزلية الوحي الإلهى ، المنزّل على الأنبياء المرسلين . لأن هذا يتيح للضمير البشرى أن يتأمل حقا من ثنايا هذه « الصحف المنشّرة المكرّمة ، المرفوعة المطهرة » حكمة سماوية غير